فريدمان: المستقبل في الصّين وليس في أميركا

بقلم إيمان شمص

«أساس ميديا»

“في وقت ما كان الناس يأتون إلى أميركا لرؤية المستقبل. لكنّهم الآن باتوا يأتون إلى الصين”. هذا ما قاله رجل أعمال أميركي عمل في الصين عقوداً عدّة لتوماس فريدمان، المحلّل والكاتب السياسي الأميركي في صحيفة “نيويورك تايمز”، الذي وجد تأكيداً له في ما رآه خلال وجوده في شنغهاي قبل أيّام، حين زار ما سمّاه “أرض الغد الحقيقية”، أي مركز الأبحاث الجديد الضخم، الذي تبلغ مساحته حوالي 225 ملعب كرة قدم. وقد بنته شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة “هواوي” خلال ثلاث سنوات، ويضمّ 104 مبانٍ مصمّمة بشكل مختلف متّصلة بواسطة قطار. ويضمّ مختبرات لحوالي 35,000 عالم ومهندس وعامل، إلى جانب 100 مقهى ومراكز للّياقة البدنية وامتيازات أخرى مصمّمة لجذب أفضل التقنيين الصينيين والأجانب.

بالنسبة لفريدمان “كان الأمر مثيراً للإعجاب لكن مقلقاً جدّاً، فهذا المركز في الأساس هو ردّ “هواوي” على محاولة الولايات المتحدة خنقها حتى الموت منذ عام 2019 من خلال تقييد تصدير التكنولوجيا الأميركية، بما في ذلك أشباه الموصلات، بسبب مخاوف تتعلّق بالأمن القومي. لكنّ الشركة على الرغم من تسبّب الحظر في خسائر فادحة لها، سعت بدعم من الحكومة الصينية إلى الابتكار لتجاوز أميركا. فاجأت العالم بتقديم سلسلة هواتف ذكيّة، وكشفت عن نظام تشغيلها الخاصّ للهواتف المحمولة Harmony لمنافسة نظامَي آبل وغوغل. وطوّرت تقنيّة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من السيّارات الكهربائية والسيّارات الذاتيّة القيادة، وصولاً إلى معدّات التعدين الذاتيّة القيادة. وقامت في عام 2024 وحده بتركيب 100 ألف شاحن سريع في جميع أنحاء الصين لسيّاراتها الكهربائية. في المقابل، خصّص الكونغرس الأميركي عام 2021 مبلغ 7.5 مليارات دولار لشبكة من محطّات الشحن، لكن حتى تشرين الثاني الماضي لم يكن لدى هذه الشبكة سوى 214 شاحناً عاملاً في 12 ولاية”.

يضيف: “بينما يركّز الرئيس دونالد ترامب على الفرق التي يمكن للرياضيين الأميركيين المتحوّلين جنسياً التسابق فيها، تركّز الصين على تحويل مصانعها باستخدام الذكاء الاصطناعي حتى تتمكّن من التفوّق على جميع مصانعنا. وبينما تتمثّل استراتيجية ترامب “يوم التحرير” في مضاعفة التعريفات الجمركية مع إنهاك مؤسّساتنا العلمية الوطنية والقوى العاملة التي تحفّز الابتكار، تتمثّل استراتيجية التحرير الصينية في فتح المزيد من الجامعات البحثية ومضاعفة الابتكار المدفوع بالذكاء الاصطناعي للتحرّر بشكل دائم من رسوم ترامب الجمركية”.

بالنسبة لفريدمان “رسالة بكين إلى الأميركيين واضحة: لسنا خائفين منكم. أنتم لستم من تظنّون أنفسكم، ونحن لسنا من تظنّوننا أيضاً”.

تفكير ترامب السّحريّ

يتفّق فريدمان مع ترامب بشأن تعريفاته الجمركية على الصين في ولايته الأولى حين كانت الصين تمنع بعض المنتجات والخدمات الأميركية من دخولها، وكان يجب التعامل مع تعريفات بكين الجمركية بالمثل. ويتّفق معه على أنّ فرض تعريفات جمركية إضافية، مُستهدفة، على منافذ الصين الخلفيّة إلى أميركا عبر المكسيك وفيتنام قد يكون مفيداً، لكن إذا كان جزءاً من استراتيجية أوسع فقط.

غير أنّ المشكلة، في رأيه، تكمن في تفكير ترامب المُضلّل في أنّه يكفي بناء جدران حماية حول صناعة ما (أو اقتصاد بأكمله)، وبسرعة!، لكي تزدهر المصانع الأميركية وتُنتج تلك المنتجات بالتكلفة نفسها من دون أيّ عبء على المستهلكين الأميركيين. ويعتبر أنّ هذه الرؤية تغفل تماماً حقيقة أنّ كل منتج مُعقّد اليوم تُصنّعه أنظمة تصنيع عالمية عملاقة ومعقّدة. ولهذا السبب تتحسّن هذه المنتجات وتُصبح أرخص باستمرار. فما يجعل قوّة التصنيع الصينية هائلة اليوم ليس لأنّها تجعل الأشياء أرخص فحسب، بل لأنّها تجعلها أرخص وأسرع وأفضل وأذكى ومدعّمة بشكل متزايد بالذكاء الاصطناعي.

نادي اللّياقة البدنيّة الصّينيّ

كيف؟ يشرح فريدمان: “يسمّي يورغ ويتكه، الرئيس السابق لغرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين، ذلك بـ”نادي اللياقة البدنية الصيني”، ويعمل على النحو التالي: تركّز الصين على تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وتُخرّج سنوياً حوالي 3.5 ملايين خريج في هذه المجالات، وهو ما يُعادل تقريباً عدد خرّيجي برامج الزمالة والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه في جميع التخصّصات في الولايات المتحدة. مع هذا العدد من الخرّيجين، يُمكن توظيف مواهب أكثر من أيّ جهة أخرى لحلّ أيّ مشكلة. وقد لا يتخرّج العديد من هؤلاء بمهارات تُضاهي مهارات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلّا أنّ أفضلهم يتمتّعون بمستوى عالمي، وهناك الكثير منهم”.

يضيف: “يبلغ عدد سكّان الصين 1.4 مليار نسمة، أي عندما تكون موهبة واحدة من بين مليون يوجد 1,400 شخصٍ آخر مثله تماماً. وتُخرّج المدارس المهنية الصينية عشرات الآلاف من الكهربائيين واللحّامين والنجّارين والميكانيكيّين والسبّاكين كلّ عام. لذا عندما يخطر ببال أحدهم فكرة منتجٍ جديدٍ يُمكنه تنفيذه وتسليمه بسرعة. وعندما تُرقمن كلّ شيءٍ وتربطه بكلّ شيءٍ، يُمكن حتى المتسوّلين المُلِمّين بالتكنولوجيا قبول التبرّعات بسرعةٍ عن طريق مسح الهاتف المحمول. النظام بأكمله مُهيّأ للسرعة، حتّى إنّك لو تحدّيتَ حكم الحزب الشيوعي فستُعتقل بسرعة”.

يعتبر فريدمان أنّه “إذا لم تبنِ أميركا نادياً رياضيّاً مشابهاً خلف أيّ جدار جمركي، فلن تشهد سوى التضخّم والركود. ولا يُمكن لفرض الرسوم الجمركية تحقيق الازدهار، خاصة في فجر الذكاء الاصطناعي”. وفي رأيه، أثبت مبتكرو الذكاء الاصطناعي الصينيون قدرتهم على تطوير محرّك الذكاء الاصطناعي الخاصّ بهم، DeepSeek، باستخدام عدد أقلّ بكثير من الرقاقات الأميركية المتخصّصة. وعندما يكون هناك مُحرّك تصنيع قويّ ومتّصل رقميّاً مثله، تتمّ تغذيته بالذكاء الاصطناعي على جميع المستويات، فإنّ الأمر أشبه بحقن مُحفّز يُمكنه تحسين وتسريع جميع جوانب التصنيع، من التصميم إلى الاختبار إلى الإنتاج.

بكّين لا تريد الحرب التّجاريّة

بحسب فريدمان فإنّ “بكين على الرغم من كلّ نقاط القوّة التي تتمتّع بها، لا تريد حرباً تجارية مع الولايات المتحدة. ولا تزال بحاجة إلى اتفاقية تجارية مع ترامب تحمي محرّك صادراتها. ونحن أيضاً بحاجة إليها. مع ذلك، أصبح ترامب لاعباً لا يمكن التنبّؤ بتصرّفاته، إذ يغيّر سياساته كلّ ساعة، لدرجة أنّ المسؤولين الصينيين يتساءلون بجدّية هل كان بإمكانهم التوصّل إلى أيّ صفقة معه يلتزم بها”. وفي رأيه أنّ “الصفقة الوحيدة التي تُحقّق الفوز للجميع هي تلك التي يسمّيها: “صُنع في أميركا”، من قِبل عمّال أميركيين، بالشراكة مع التكنولوجيا ورأس المال والخبراء الصينيين”.

يدرك فريدمان أنّ إعادة بناء الثقة في العلاقة بين الصين وأميركا تتطلّب جهداً هائلاً. ويتساءل: “متى أصابنا هذا الخوف؟ ومتى أغفلنا العالم الذي نعيش فيه إلى هذا الحدّ؟ يمكن التنديد بالعولمة، لكنّ ذلك لن يغيّر حقيقة أنّ الاتّصالات والتجارة والهجرة وتغيّر المناخ قد دمجتنا، ومصائرنا، معاً. عندما يتعلّق الأمر بالولايات المتحدة والصين، والعالم أجمع، فإنّ خيارنا الوحيد هو إمّا أن نُرسي علاقات ترابط سليمة، فننهض معاً، أو نُحافظ على علاقات ترابط غير سليمة ونسقط معاً. لكنّ أيّاً كان الخيار، فنحن نفعل ذلك معاً. كان قادة كلا البلدين يدركون ذلك. وهم سيتعلّمون ذلك مرّة أخرى. لكن بحلول الوقت الذي يفعلون فيه ذلك، ماذا سيبقى من الاقتصاد العالمي الموحّد الذي أنتج الكثير من الثروة لكلا البلدين؟”.

إيمان شمص