بقلم أيمن جزيني
«أساس ميديا»
بتأييد من 17 وزيراً ومعارضة 7 وزراء، عيّن مجلس الوزراء حاكماً جديداً لمصرف لبنان، هو كريم أنطون سعيد، في مرحلة حساسة من تاريخ لبنان، مالياً وسياسياً… ووجودياً.
تمنّى كثرٌ، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية الداعم الرئيس لكريم سعيد وصاحب المبادرة إلى ترشيحه، والقوى المسيحية على اختلافها، بالتوافق، نظراً إلى المرحلة الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، والمهام التي تنتظر الحاكم الجديد، المنوط بها مستقبل لبنان واللبنانيين، والتي دونها كرامتهم، والظروف الصحية لحياة كريمة لهم اقتصادياً واجتماعياً، واستقلاليتهم، بل حتى “مواطنتهم”.
ثلاثة في لبنان لا يمكن أن يكونوا موضع خلاف واختلاف بين اللبنانيين، نظراً إلى حساسية مواقعهم، وخطورة وأهمية أدوارهم والمهام الملقاة على عاتقهم: رئيس الجمهورية، بوصفه رأس البلاد والسلطات فيها والحكم بين اللبنانيين، وقائد الجيش، جيش اللبنانيين بكل أطيافهم وتنوعهم، وحاكم مصرف لبنان، أو الأمين المؤتمن على بيت مال اللبنانيين. كل خلاف معهم أو عليهم، يودي بلبنان واللبنانيين إلى ما لا تُحمد عقباه، ولنا في تاريخ لبنان شواهد كثيرة.
معارضة أهمّ من التعيين
الرئيس نوّاف سلام لم يُهزم وكان الأسهل عليه طرح الميثاقية السنيّة على طاولة مجلس الوزراء وهو ما تبيّن من التصويت إذ أن الوزراء السنّة الثلاثة ورئيس الحكومة لم يصوتوا لسعيد. لكنّه لم يفعل لأنّ معارضته للحاكم الجديد، وإفساحه المجال للذهاب إلى التصويت، يعيدان الاعتبار للديمقراطية، التي هي أساس النظام السياسي اللبناني، ويخرجان لبنان من “فخ” التوافق، ودائرة الغُرَف المغلقة، التي ظل يدور فيها طوال ثلاثة عقود سابقة ونيّف، وينجّيان اللبنانيين من مرارة “الفيتو”، التي لا تترك حاكماً يحكم، ولا برامج وسياسات تشقّ طريقها إلى أرض الواقع.
اعتراض الرئيس سلام، وإعادة الاعتبار للتصويت في مجلس الوزراء، وحرية الاختلاف والاعتراض، والعودة إلى أبسط قواعد الديمقراطية، تشكّل مؤشراً على التعافي، وعودة الحياة السياسية الديمقراطية إلى لبنان. أبعد من ذلك، اعتراض الرئيس سلام، خطوة أولى نحو الخروج من دائرة الحكم بالتراضي، والاختيار بين “معنا أو علينا”، لبناء دولة ومؤسسات والتأسيس لحياة سياسية سليمة، تقطع مع عقود ساد فيها التوافق بالإكراه، ولم تجلب لنا سوى الخراب.
اعتراض الرئيس سلام، في مجلس الوزراء، انتصار للبنان واللبنانيين، والحياة السياسية في لبنان، لا يقلّ أهميةً عن ملء الشغور في مناصب الدولة الحساسة والخروج من الفراغ.
المنتَظَر والمأمول
كريم سعيد هو الحاكم السادس للمصرف المركزي، منذ تأسيسه عام 1963، بعد كلّ من فيليب تقلا (1964-1965)، الياس سركيس (1967-1976)، ميشال الخوري (1977-1985)، إدمون نعيم (1985-1990)، ورياض سلامة (1993-2023).
آخر حاكم لمصرف لبنان، مضى بعد ثلاثة عقود بالتمام والكمال إلى السجن، وأودى بلبنان واللبنانيين والعملة اللبنانية إلى الهاوية. صحيح أنه ليس المسؤول الوحيد عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب لبنان عام 2019، إلا أنه يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن الانهيار هذا، نتيجة الهندسات المالية التي قام بها. أكثر من ذلك، كان سلامة رافعة الطبقة السياسية لعقود ثلاثة، وقارب نجاتها، بل مخلّصها من أزمات كثيرة كادت تودي بها في أكثر من محطة واستحقاق.
وعليه، أول ما ينتظره اللبنانيون من سعيد، بدءاً من اليوم، مراجعة ما جرى خلال العقود الماضية، واستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي بلبنان وعملته وسياساته المالية والنقدية، عبر تحسين التصنيف الائتماني للبنان، وتقديم برنامج إنقاذي بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، وضمان استمرارية النظام المصرفي، والعمل على استقرار العملة اللبنانية واستعادة “كرامتها”، وقبل ذلك كله، إعادة أموال المودعين.
بعضٌ من سيرته
كريم سعيد، رجل قانون واقتصاد. يتحدّر من عائلة سياسية بامتياز، لها بصمات واضحة في تاريخ لبنان، بدءاً من والده الدكتور أنطون سعيد، النائب الشهابي، مروراً بوالدته النائبة نهاد سعيد، وصولاً إلى شقيقه الدكتور فارس سعيد، أبرز المشاركين في تأسيس لقاء قرنة شهوان ثم البريستول فالمنسق العام لقوى 14 آذار.
وُلِد كريم سعيد في قرطبا بقضاء جبيل شمالي لبنان، ونال شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة القديس يوسف، ثم الماجستير في القانون من كلية الحقوق في جامعة “هارفارد”، وكانت أطروحته حول “قانون غلاس-ستيغال”، وهو التشريع الأساسي الذي فصل بين البنوك التجارية والاستثمارية. كما حصل على دبلومات تنفيذية من كلية هارفارد للأعمال في تقييم الشركات وإعادة الهيكلة، وفي المفاوضات التجارية، وهو عضو في نقابة المحامين في ولاية نيويورك منذ عام 1989.
يمتلك خبرةً واسعةً في اللوائح المصرفية، تشمل الأطر التنظيمية في كل من الولايات المتحدة ولبنان. كذلك يحوز إلماماً جيّداً بالتنظيمات المصرفية الأمريكية المعاصرة، بما في ذلك قانون دود- فرانك، وقاعدة فولكر، والأطر التنظيمية المتعلقة بكفاية رأس المال، وتقييم المخاطر، ومتطلبات السيولة في المؤسسات المالية العالمية.
كما يتمتع بخبرة معمقة في قانون البنوك اللبناني، خاصةً في ما يتعلق بكفاية رأس المال، وآليات تقاسم المخاطر، وحقوق المساهمين في المؤسسات المالية. أظهر كفاءةً عاليةً في الإشراف المصرفي وإدارة المخاطر، مع ضمان الامتثال الصارم للوائح “لجنة الرقابة على المصارف في لبنان” والمعايير المصرفية الدولية.
وعليه، يجمع سعيد بين الخبرة السياسية والكفاءة العلمية، والنجاحات في ميادين البنوك والشركات والخصخصة، ويتمتع بعلاقات عربية ودولية مميزة، يراهن كثرٌ عليها. فهل يكون على قدر توقعات اللبنانيين وآمالهم؟
أيمن جزيني