سعوديّة بن سلمان… الجديدة

بقلم محمد السماك

«أساس ميديا»

انتقلت المملكة العربية السعودية بمبادرات شجاعة لوليّ العهد الأمير محمد بن سلمان من الانغلاق على الذات إلى الانفتاح على العالم وقضاياه. وما كان لهذا الانفتاح أن يتمّ وأن يحقّق النجاحات الاستقطابيّة للدبلوماسية السعودية الجديدة، لو لم يسبق ذلك تحرير المجتمع السعودي الداخلي من موروثات اجتماعية انغلاقيّة تحت مظلّة دينية، والدين منها براء.

لقد تمكّن الأمير محمد بن سلمان من استنهاض المجتمع السعودي والنهوض به في إطار الالتزام بالثوابت الدينية والقيم الأخلاقية التي تؤكّدها هذه الثوابت. ثمّ جعل من حالة الاستنهاض منصّة للانطلاق نحو العالمية من الأبواب الواسعة.

حتّى الأمس القريب كان ذلك يبدو مستحيلاً. لكنّه اليوم أصبح واقعاً. سُئل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك: ما هو تعريفك للسياسة؟ فأجاب أنّ السياسة هي فنّ تحويل المستحيل إلى ممكن. وفي ضوء هذا التعريف، يتبوّأ بن سلمان مركز صدارة السياسة الانفتاحية، ليس في المملكة وحدها، لكن في المنطقة العربية والعالم الاسلامي. فكيف حدث ذلك؟

هناك مصدران للإجابة على هذا السؤال:

1- الملك سلمان بن عبدالعزيز نفسه. فالرجل منذ أن تبوّأ مركز أمير الرياض، كان على تواصل مع المثقّفين والباحثين الكبار في المملكة وفي العالم العربي. كان قارئاً نهماً ومواكباً لتطوّرات العالم. ولا شكّ أنّه نقل هذا المخزون من المعارف إلى ابنه الأمير محمد.

2- الأمير نفسه الذي عُرف عنه الانفتاح على العالم وثقافاته ومكتشفاته العلمية. وعُرف عنه حرصه على مواكبة التطوّرات والمتغيّرات التي لا تزال تعصف بالعالم.

حاضنة الإسلام

لقد حافظ الأمير محمد على دور المملكة حاضنة للإسلام في القرن الواحد والعشرين. تعكس ذلك التوسّعات المستمرّة للحرمين الشريفين التي تواكب الارتفاع المستمرّ في عدد الحجّاج والمعتمرين عاماً بعد عام نتيجةً للزيادة المطّردة في عدد المسلمين في العالم (2 مليار) ولتحسّن أوضاعهم الاجتماعية وقدراتهم الماليّة.

من أجل ذلك أطلق وليّ العهد السعودي مبادرتين في وقت واحد:

1- مبادرة سياسية – دبلوماسية كان من ثمراتها اللجوء إلى المساعي الحميدة للمملكة في معالجة قضايا دولية وصراعات متفجّرة، وتحديداً في الشرق الأوسط (فلسطين، اليمن، السودان، ليبيا ولبنان)، وفي العالم (الحرب الأوكرانية والعلاقات الروسية – الأميركية).

2- تطوير المجتمع السعودي وانفتاحه على المتغيّرات العالمية. فالمملكة اليوم هي أكثر دولة في العالمَين العربي والإسلامي تحقّق تقدّماً من حيث الاعتماد على المكننة الإلكترونية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وحتى في تيسير الشؤون الخاصّة للمواطنين.

السّعوديّة الجديدة

من هنا يمكن القول إنّ المملكة العربية السعودية مع بن سلمان هي غيرها مع من كانوا قبله؟ ليس تقليلاً من أهمّية أحد منهم (وجميعهم كانوا أهل خير ووطنيّة وإيمان)، لكن إدراكاً للحقيقة التالية: التغيير الكبير في الدورين الإقليمي والدولي اللذين تقوم بهما المملكة اليوم ما كان ليكون لولا الجرأة على إحداث تغيير شامل وعميق استحدثه الأمير محمد في إطار التمسّك بالثوابت الإيمانيّة، وبدور المملكة الرائد في الدفاع عن هذه الثوابت.

من ذلك مثلاً ما قامت وما تقوم به رابطة العالم الإسلامي بقيادة أمينها العامّ الدكتور محمد عبدالكريم العيسى على الصعيد الإسلامي – الإسلامي، وعلى الصعيد الإسلامي مع أهل الأديان والعقائد الأخرى. وتعكس ذلك سلسلة الوثائق التي صدرت عنها، وفي مقدَّمها وثيقة مكّة المكرّمة التي كانت موضع ترحيب حارّ من الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي (جنيف).

من هنا يمكن القول إنّ المملكة العربية السعودية انتقلت مع الأمير محمد بن سلمان من مرحلة تمنّي الخير للجميع وتقديم المساعدات للجميع، إلى لاعب أساسي على مسرح السياسة الدولية في إطار الثوابت الإيمانية التي تتمسّك بها.

محمد السماك