الذهب نحو مسار تصاعدي… «ملاذ آمن» في ظلّ ضبابية المشهد الاقتصادي

أسهمت حالة عدم اليقين المحيطة بالرسوم الجمركية، والتوقعات المتعلقة بخفض أسعار الفائدة، بالإضافة إلى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بعد استئناف إسرائيل حربها على غزة، في دفع أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة. وما زاد الطين بلّة، القرارات التي اتخذها الرئيس الاميركي ترامب برفع الرسوم والمعاملة بالمثل. وفي قرار له تأثير على المعدن الأصفر، أبقى المركزي الأميركي على سعر الفائدة الرئيسي لليلة واحدة من دون تغيير في نطاق 4.25%-4.50%. ويُعتبر الذهب – الذي لا يحقق عوائد مباشرة – وسيلة للتحوط ضد التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الغامضة، ويزدهر في ظل انخفاض أسعار الفائدة. ويرى المستثمرون أن الذهب يُعد من الأصول المثلى للتعامل مع حالة عدم اليقين الاقتصادي المرتبطة بالرسوم الجمركية الأخيرة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتسود حالة من القلق من التباطؤ الاقتصادي وتزايد احتمالات الركود نتيجة للرسوم الجمركية، التي يُتوقع أن تؤدي إلى زيادة التضخم.

«علاقة عكسية»

في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد أبو شقرا في حديث له أن «الذهب هو الملاذ الآمن للمستثمرين. فعادةً، عند حدوث اضطرابات في الدول والاقتصاديات، يلجؤون إلى شراء المعدن الأصفر والاستثمار فيه أو في الأسهم». ويضيف أن «النقلة النوعية لارتفاع سعر الذهب بدأت مع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، وقد استمر في الصعود حتى اليوم»، مشيراً إلى أن «كل التوقعات العالمية تشير إلى إمكان بدء الفيديرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة، ما سيؤدي إلى انخفاض في أسعار الفائدة في الدول الأخرى». ويوضح في حديثه أن «مجلس الذهب العالمي يُسجل شراء المصارف المركزية حول العالم للمعدن الأصفر، ربما خوفاً من الأزمات أو من تراجع قيمة العملات»، مضيفاً: «وهذا يؤثر على سعر الذهب مع زيادة الطلب عليه». وحول تأثير سياسات ترامب الاقتصادية، يرى أن «الرئيس الأميركي شن حرباً على بعض الدول الشريكة وغير الشريكة، وهذا أثار مخاوف المؤسسات المالية بشأن مستقبل العملات والأسواق والأسهم»، موضحاً أن «هذا يؤدي إلى التوجه نحو الاستثمار في الذهب، لأنه يبقى الملاذ الآمن.

«مسار تصاعدي»

في هذا الصدد، يؤكد أبو شقرا أن «الذهب كسر جميع التوقعات، ولكن من الصعب التنبؤ برقم معيّن لسعر الأونصة». ويُوضح أن «الذهب أثبت تاريخياً أنه من المعادن ذات المسار التصاعدي، مع بعض التصحيحات بين الحين والآخر»، مضيفاً: «الخبراء في مجال الأسواق والمعادن يتوقعون أن يعود الذهب نحو مسار التصحيح مع حركة الأسواق، وقد يتراجع، ولكن ليس بطريقة مخيفة، وبعدها يعود للصعود». ويشدد الخبير الاقتصادي في ختام حديثه على أن «الضبابية في المشهد الاقتصادي العالمي تثير مخاوف المستثمرين»، كاشفاً أن «الذهب سيظل في مسار تصاعدي على المدى الطويل».

«عودة الروح»

في لبنان، يؤكد رئيس نقابة تجار الذهب والمجوهرات نعيم رزق، في حديثٍ له، أن «السوق المحلي شهد نشاطاً خفيفاً العام الماضي، أما اليوم، بعد انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهورية ونواف سلام رئيساً للحكومة، فأصبح هناك أمل، وعادت الروح نوعاً ما إلى البلاد». ويُوضح أن «الطلب المتزايد هو على سبائك الذهب بسبب استقرارها»، مجدداً التأكيد أن «المعدن الأصفر هو بالفعل الملاذ الآمن». ويُذكّر رزق بأن «لبنان كان يُصدّر الذهب إلى جميع الدول المجاورة»، مشيراً إلى العمل «قدر المستطاع كنقابة على إعادة البلاد إلى مكانتها الطبيعية». وارتفعت أونصة الذهب في عام 2024 بنحو 600 إلى 700 دولار، وفي عام 2025 صعدت بنحو 300 إلى 350 دولاراً، وفق المصدر ذاته. ويصف رزق السعر الذي وصل إليه الذهب بالتاريخي، مُؤكداً أن «لبنان من المستفيدين من هذا الصعود، فبحسب الإحصاءات، تملك الدولة نحو 9 ملايين و221 ألف أونصة من الذهب».

«وسيلة لحفظ قيمة أموالهم»

إلى ذلك، يؤكد في حديثه أن «المعدن الأصفر أثبت أنه الملاذ الآمن للمواطنين والمصارف المركزية ولأي مؤسسة تُعنى ببيع الذهب». ويُعدد رزق بعض العوامل «التي أسهمت بصعود سعر الذهب»، ومنها «ارتباطه بقرار خفض الفائدة من قبل الفيديرالي الأميركي، والحرب الروسية الأوكرانية، وتجدد الحرب في غزة، والتصريحات المثيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تحويل القطاع إلى منتجع ساحلي دولي، إضافة إلى اللقاء العاصف الذي جمعه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وصولاً إلى فرض الرسوم الجمركية على الصين والمكسيك وكندا». ويلفت إلى أنه في «الوقت الذي تشهد فيه العملات الورقية انخفاضاً، يفضّل العديد من المستثمرين اللجوء إلى الذهب كوسيلة لحفظ قيمة أموالهم». وبحسب رأيه الشخصي، فإن «الاتجاه الصعودي للذهب سيستمر». في ظل الأزمات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها الساحة العالمية، يظل الذهب بمثابة الملاذ الآمن للمستثمرين. فهو يقدم استقراراً نسبياً في أوقات عدم اليقين، وهذا يجعله خياراً مفضّلاً للحفاظ على القيمة وتحقيق الأمان المالي في ظل الظروف ال