اشتباك تركيّ – إسرائيليّ في سوريا؟

7

بقلم ابراهيم ريحان

«أساس ميديا»

لماذا هاجَمت إسرائيل مطارَ T4 في بادية حمص ومطار حماة العسكريّ؟ وما علاقة التقدّم البرّيّ في درعا تزامناً مع الغارات؟ هل باتت سوريا على مشارف مواجهة مباشرة إسرائيليّة – تركيّة؟

شهِدَت سوريا مساءَ الأربعاء جولةً قتاليّة استباقيّة لم يكُن عنوانها ضرب الوجودِ الإيرانيّ، بل منع تركيا من التّموضع العسكريّ في ما تعتبره تل أبيب مجالها الحيويّ في سوريا.

استهدفَت الطائرات الإسرائيليّة ما بقي من مطار T4 العسكريّ في حمص، ودمّرَت بشكلٍ شبه كاملٍ مطار حماة العسكريّ. أمّا في درعا، فكانت القوّات البرّيّة تُناورُ تحتَ مُسمّى “تدمير بنى تحتيّة عسكريّة تُشكّل خطراً على إسرائيل”.

يكمُن السّرّ في الهجمات الإسرائيليّة في رغبة تركيا بإقامة قاعدتَيْن عسكريّتَيْن في منطقتَيْ حمص ودمشق، وكانَ “أساس” أوّل من كشفَ عن هذه النّيّة التّركيّة بعدَ زيارة وزير الخارجيّة التّركيّ حقّان فيدان لدمشق مطلعَ العام الجاري. قبلَ ساعاتٍ قليلة من الحملة الجوّيّة على حمص وحماة، عبرَت الحدود السّوريّة – التركيّة آليّات للجيش التّركيّ تحمِلُ معدّاتٍ ومدافعَ آليّة وجرّافات، وكانَ واضحاً أنّ وجهةَ هذه الأرتال الاستقرار في قاعدة T4 ومطار حماة تمهيداً للانتقال إلى محيطِ دمشق أيضاً.

تركيا بدلاً من إيران

منذُ سقوط نظام بشّار الأسد في كانون الأوّل الماضي، باتت السّاحة السّوريّة مكشوفة تماماً أمام سلاح الجوّ الإسرائيليّ الذي انطلقَ بعد ساعاتٍ قليلة من هروب بشّار الأسد ليُدمّر مواقع جيش النّظام السّابق ومخازنه على امتداد الخارطة السّوريّة.

تخشى تل أبيب أن تملأَ تُركيا الفراغ العسكريّ – الأمنيّ – السّياسيّ الذي تركتهُ إيران بعدَ سقوط الأسد. فهيَ ترى في تركيا عدوّاً غير مُعلَن ومُنافساً إقليميّاً، في توقيتٍ تسعى فيه تل أبيب إلى بسطِ نفوذها الأمنيّ من سواحل لبنان إلى حدود إدلب في شمال سوريا، من دون أن يكونَ لها شريكٌ في ذلك.

يكمنُ السّرّ في اندفاعةِ تُركيا نحوَ تثبيت قواعد عسكريّة في سوريا وسعي إسرائيل لمنعها من ذلكَ، في طاولة الحوار الأميركيّ – الرّوسيّ في السّعوديّة.

لا ينحصرُ الحوار الأميركيّ – الرّوسيّ بحلّ الأزمة الأوكرانيّة. إذ تُرسَمُ هُناك الخرائط السّياسيّة الجديدة، ومن بينها خريطة الشّرق الأوسط. وهذا ما تُدركُه أنقرة وتل أبيب، وتُحاول كُلّ منهما أن تحجُزَ حصّتها مُسبقاً على الخارطة السّوريّة.

ماذا تفعل تركيا؟

قامَت أنقرة قبل أن تبدأ بإدخال معدّاتها العسكريّة بخطواتٍ سياسيّة في سوريا تمهيداً لدخول حمصَ ودِمشق:

1-سعَت تركيا إلى طمأنة الولايات المُتّحدة بقيادة دونالد ترامب عبر الموافقة على الاتّفاق الذي أُبرِمَ بين الرّئيس السّوريّ أحمد الشّرع وقائد “قوّات سوريا الدّيمقراطيّة” (قسد)، المدعومة أميركيّاً، مظلوم عبدي.

2- اضطلعت تركيا بدور أساسيّ في عقد الاجتماع بين وزير الخارجيّة السّوريّ أسعد الشّيباني ونائبة مساعد وزير الخارجيّة الأميركيّة ناتاشا فرانشيسكي في العاصمة البلجيكيّة بروكسل، حيثُ ناقشَ الجانبان مطالب واشنطن من الإدارة الجديدة في سوريا.

3- تُكرّر تركيا أنّ دعمها للحكومة السّوريّة يتضمّن مُكافحة تنظيم “داعش”.

4- يسعى الرّئيس التّركي رجب طيّب إردوغان لاستغلال علاقاته الجيّدة بالرّئيس الأميركيّ ترامب، الذي وصفه أخيراً بـ”الرّئيس الجيّد”.

لكنّ تل أبيب تنظرُ بعيْنٍ أخرى إلى الوجود التّركيّ في سوريا. لا تزال الحكومة الإسرائيليّة قلقة من الحكمِ الجديد في سوريا، إذ إنّها كانت تُجاورُ نظامَ البعثِ لمدّة نصفِ قرنٍ من الزّمن في عهدِ الأسديْن الأبِ حافظ والابن بشّار، ضمنَ تفاهمات ضمنيّة على هدوء جبهةِ الجولان السّوريّ.

الخشيَة من الجماعات السّنّيّة

يُعزّزُ من قلق تل أبيب أيضاً علاقة أنقرة والإدارة السورية الجديدة بالحركات الإسلاميّة السّنّيّة، التي لا تُريدها إسرائيل أن تكونَ بديلاً عن الجماعات الشّيعيّة المدعومة من إيران. من هذا المُنطلق لا ترتاحُ الحكومة الإسرائيليّة لعلاقة أنقرة بحركةِ “حماس”، ولا لخطوط التّواصل المفتوحة بين القيادة السّوريّة الجديدة وقيادة “الحركة”.

تُريد إسرائيل أن تضمن تفوّقها الجوّيّ في المنطقة، الذي قد يُهدّده وجود تركيا في حمص ودمشق، خصوصاً أنّ الجيش التّركيّ يمتلكُ دفاعات جويّة متطوّرة وسلاحَ جوٍّ مُتطوّراً يحدّ من حرّيّة الحركة الجوّيّة الإسرائيليّة في سوريا إذا ما استقرّ الجيش التركي في القواعد والمطارات العسكريّة التي ينوي التمركز فيها.

من جهةٍ أخرى تخشى إسرائيل أيضاً أن تعودَ سوريا محطّة لنقل السّلاح إلى “الحزبِ” في لبنان، خصوصاً أنّها كانت قد اتّهمَت أنقرة قبل أسابيع بتوفير طرقٍ جديدة لتهريب الأموال إليه عبر خط طهران، إسطنبول، بيروت.

يدفعُ تضارب المصالح بين القوّتيْن الإقليميّتيْن إلى ارتفاع احتمالات الصّدام المُباشر. إذ إنّ تركيا بقيادة إردوغان التي تعملُ بنشوةِ الإطاحة ببشّار الأسد وتوسيع خريطة النّفوذ التّركيّ، يُقابلها إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو وتحالف اليمين المُنتشي بسلسلة الضّربات القاصمة التي وجّهتها إلى مشروع إيران وحلفائها في المنطقة.

يُراهنُ الأتراك على تدخّلٍ أميركيّ يُثبّتُ نفوذهم في سوريا. ويُراهنُ الإسرائيليّون أيضاً على حلفائهم الأميركيين لإقصاء النّفوذ التّركيّ في سوريا، أو رسمِ حدوده الجغرافيّة والسّياسيّة على الخارطة السّوريّة بما لا يُقلق إسرائيل الهائجة منذ السّابع من تشرين الأوّل 2023.

لهذا لجأت تل أبيب إلى التوغّل في بعضِ مناطق درعا تزامناً مع الغارات الجوّيّة. فهي كانت تقول إنّها لن تتوانى عن اجتياحِ جنوب سوريا وصولاً إلى دمشق إذا ما ثبّتت تركيا قواعدها في بادية حمص. وإلى حين اكتمال صورة الخرائط التي يرسمها ترامب وبوتين، قد نشهدُ رسمَ نفوذ إسرائيل وتركيا باشتباكٍ فوق الأرضِ السّوريّة.

ابراهيم ريحان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.