القمة العربية الطارئة في القاهرة وسيناريوهاتها المحتملة
بقلم د. ابراهيم العرب
تُعقد القمة العربية الطارئة في القاهرة في الرابع من آذار/مارس 2025، في ظل ظروف استثنائية تهدد القضية الفلسطينية بمخاطر غير مسبوقة، لا سيما مع تصاعد الدعوات الإسرائيلية والأمريكية لتهجير سكان غزة، وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
وبالتالي، تأتي هذه القمة كاستجابة عاجلة من مصر وجامعة الدول العربية لمواجهة هذه التحديات، سعياً لإصدار موقف عربي موحد يدعم الحقوق الفلسطينية ويُعزز صمود الشعب في أرضه.
السياق التاريخي والدبلوماسي للقمة
تُعتبر القمم العربية الطارئة آليةً دبلوماسيةً استثنائيةً تُعقد لمعالجة قضايا مُلحة تمس الأمن القومي العربي. ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية، شهدت المنطقة عشرات القمم الطارئة، كان أبرزها تلك المتعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي، كقمة بيروت 2002 التي أطلقت مبادرة السلام العربية. أما اليوم، فتواجه القمة الحالية اختباراً مصيرياً في ظل تصاعد التهديدات المُتمثلة في المخططات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، والتي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير السكان أو فرض حلول أحادية.
الأسباب الكامنة وراء عقد القمة
- مقترحات التهجير الإسرائيلية-الأمريكية: أثار اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنشاء ما وصفه بـ”ريفييرا الشرق الأوسط” في غزة، والذي يتضمن نقل سكان القطاع إلى مصر والأردن، موجة غضب عربية ودولية. ذلك أن هذا الاقتراح يُعتبر امتداداً لسياسات التهجير التي ناقشتها الحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تسعى إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للأراضي المحتلة.
- الوضع الإنساني المتدهور في غزة: يعاني القطاع من حرب إبادة جماعية إسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2024، تفاقمت بعد تدمير البنية التحتية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية (تجاوزت 98%). لذا، فأي مخطط لإعادة الإعمار يجب أن يراعي إنقاذ القطاع من الانهيار الكامل.
- المخاوف الأمنية المصرية: تُعتبر مصر دولة الجوار الأكثر تأثراً بأزمات غزة، سواء عبر تداعيات الحروب أو تدفق اللاجئين. لذا، تسعى القاهرة إلى حلولٍ تمنع تفجُّر الأوضاع في سيناء، وتحمي حدودها من تداعيات الصراع.
التحضيرات المصرية وأهداف القمة
عملت مصر بشكل مكثف مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومملكة البحرين (الرئيس الدوري للقمة) لضمان مشاركة واسعة على مستوى القادة.
ويركز الهدف الرئيسي على:
– إصدار وثيقة عربية موحدة ترفض بشكل قاطع أي مخططات تهجير، وتؤكد حق الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير.
– تقديم رؤية عربية بديلة لمستقبل غزة، قائمة على إعادة الإعمار بقيادة فلسطينية، وبدعم عربي ودولي، مع ضمانات بعدم عرقلة إسرائيل لهذه العملية.
– تنسيق المواقف السياسية لدعم الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، والضغط على المجتمع الدولي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
المقترحات المصرية لإعادة إعمار غزة
تعكف مصر على طرح خطة متكاملة ترتكز على عدة محاور:
- الهيكلة المؤسسية:
– تشكيل هيئة إعادة إعمار فلسطينية برئاسة السلطة الفلسطينية، مع مشاركة فصائل فلسطينية، بما في ذلك حماس، لضمان شرعية المبادرة.
– إشراف دولي عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي لضمان الشفافية.
- التمويل والضمانات:
– إنشاء صندوق عربي مُشترك، يُسهم فيه دول الخليج والاتحاد الأوروبي، مع مطالبة إسرائيل بدفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن حروبها.
– شروط مسبقة تمنع إسرائيل من شن هجمات أثناء الإعمار، مع آليات مراقبة دولية.
- البُعد الإنساني والتنموي:
– إعادة بناء المستشفيات والمدارس والبنى التحتية، مع توفير فرص عمل عبر مشاريع تنموية مستدامة.
– فتح المعابر، خاصة معبر رفح، بشكل دائم لتسهيل حركة الأفراد والبضائع.
التحديات أمام نجاح القمة
– الانقسامات العربية: تُواجه الجامعة العربية انقساماتٍ داخلية، كالخلافات حول الأزمة السودانية والصراع في اليمن على سبيل المثال، مما قد يُضعف التضامن المطلوب.
– الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية: تُمارس إسرائيل وحلفاؤها ضغوطاً على دول عربية لتطبيع العلاقات دون حل للقضية الفلسطينية، كما في الاتفاقيات الإبراهيمية.
– وضع حماس المُتغير: ترى القاهرة أن أي تصريح من الحركة الأخيرة عن استعدادها للتخلي عن حكم غزة قد يُسهّل حلحلة الأزمة والاستقرار وتمرير المقترحات العربية، رغم إدراكها صعوبة ذلك.
الدور الإقليمي والدولي
– الأردن: تُشارك بدور محوري في دعم الموقف العربي، خاصةً مع وجود جالية فلسطينية كبيرة على أراضيه، وحرصها على حماية القدس.
– الدول المانحة: مثل السعودية وقطر والإمارات، التي قدّمت مساعدات سابقة لغزة، لكنّ ازدياد الضغوط الاقتصادية عليها قد يُقلل من حماستها.
– الاتحاد الأوروبي: يُظهر تحفظاً على المخططات الأمريكية، لكنّه مرتبط بتحالفات مع واشنطن، مما يحدّ من تأثيره.
– الولايات المتحدة: تُوازن الإدارة الحالية بين دعم إسرائيل وحماية مصالحها في المنطقة، ما قد يدفعها لقبول المقترح المصري كحل وسطي، حال رضيت حماس التخلي عن حكم غزة.
السيناريوهات المحتملة لما بعد القمة
- سيناريو التفاؤل: خروج القمة بموقف عربي مُتماسك، وبدء مؤتمر دولي للإعمار، مع ضغط فعّال على إسرائيل لوقف الاستيطان.
- سيناريو التردد: تبنّي قرارات رمزية دون آلية تنفيذ، بسبب الخلافات مع أميركا، مما يُبقي الأزمة مفتوحة.
- سيناريو التصعيد: فشل القمة في تحقيق إجماع، مما يُعطي إسرائيل ذريعة لمواصلة سياسة التهجير، مع تداعيات أمنية على مصر والأردن.
الخلاصة، ليست القمة مجرد اجتماعٍ طارئ، بل محطةٌ تاريخية تُختبر فيها قدرة الدول العربية على حماية القضية المركزية للأمة. والنجاح يتطلب تجاوز الخلافات الثانوية، وتبني استراتيجيةٍ عربيةٍ طويلة الأمد تجمع بين الضغط الدبلوماسي والدعم المالي، مع إشراك المجتمع الدولي في مساءلة إسرائيل. فلقد آن الأوان لتحويل الخطابات الرنّانة إلى أفعالٍ تُعيد للأمة كرامتها، وللفلسطينيين أرضهم.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.