شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – تجربة «غير شكل» في الحكومات اللبنانية

16

ألقت الحرب الأخيرة بظلالها الثقيلة على مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، بما هيمن عليها من تهدئة، هذه الحكومة التي تبدو قديمة على حداثة، وجديدة على قديم، إذ فيها الوزير حديث العهد في شؤون السلطة والسياسة يجاور الوزير «المكحكح»، وفيها ندرة شباب على كثرة كهول وشيوخ. وفيها تكنوقرطيون الى جانب التقليديين…
وعلى صعيد التكنوقراط والشباب فإن حكومة عهد الرئيس سليمان فرنجية الأولى (1970) كانت «حكومة الشباب» بامتياز، وهي تسمية أطلقتها عليها الصحافة اللبنانية في حينه، كما أطلقت على رئيسها صائب بك سلام لقب «شيخ الشباب». (وبما أن الحديث على الشباب وشيخهم والصحافة، فقد كان النقيب الراحل محمد البعلبكي يبادر مَن يسميه بِـ «شيخ الشباب» بالرفض، فيقول: «إنما انا شب الشيوخ»).
وفيما كنت أتابع، أمس، الفصل الأول من وقائع مناقشات النواب استعدت، في الذاكرة، تلك الأيّام الخوالي من الزمن اللبناني الجميل، عندما كان المجلس النيابي، لا سيما في جلسات المناقشة، منبرا رفيعاً للبلاغة والفصاحة، بقدر ما كان مقراً للتشريع، الى ما كان يتخلل المناقشات من ظُرفٍ افتقدناه طويلاً، الى لمعات الخاطر، الى الحنكة والذكاء…
وأذكر الرئيس الشهيد المرحوم رشيد كرامي الذي يبقى جامداً كتمثال المرمر على امتداد نهارات وليالي الجلسات الطويلة، وعندما يأتي دوره، في الختام، ليرد على مداخلات النواب، فإنه لا يهمل نقطة واحدة أو ملاحظة أو موقف أو ايماءة تفوته الإشارة إليها، وأشهد أنه لم يكن يسجّل على ورقة، إنما كان يختزن في ذاكرته تلك الملاحظات كلها، وكان رشيد أفندي نسيج وحده في هذا المضمار، ليصح فيه القول «إنه يملك ذاكرة فيل».
أما المرحوم تقي الدين الصلح، ذلك الأنيق في اختيار كلماته، واللبناني الذي لا يُجارى في وطنيته، والعروبي بلا منازع، فكان لا يلقي كلمة إلّا اذا كانت مكتوبة، ولو لا تتجاوز خمس أو ست كلمات، وأيضاً كان يرد ببيان مكتوب إذ هو آخر المتكلمين في جلسة الثقة.
وأمّا صائب بك سلام، الزعيم البيروتي الكبير (صاحب الشعارات الوطنية الشهيرة مثال «لا غالب ولا مغلوب» و «لبنان واحد لا لبنانان» و «عندما تُزال المتاريس أخاف على اللبنانيين من الاختناق لشدة العناق…») فكان عفوياً الى درجة «يطلع من ثيابه»، ومثل كل عفوي سرعان ما تزول سورة غضبه ويهدأ.
وتبقى ظاهرة الرئيس الحاج حسين العويني صاحب شعار «هيك وهيك» تأكيداً على التملّص من فخاخ الموقف المحرج، فله أخبار ظريفة لا تنتهي، منها أنه سُئِل عن رأيه في تصريح لرئيسة وزراء العدو غولدا مئير تتهجم فيه على لبنان ومسؤوليه، فرفض إبداء رأيه قائلاً: «ولو! بدكن أن أرد على امرأة!».
وبانتظار رد الرئيس نواف سلام على النواب الذين سيمنحونه ثقة عارمة من دون أدنى شك.

khalilelkhoury@elshark.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.