فلسطين فلسطينية وليست يهودية…
كتب عوني الكعكي:
يكثر الحديث على أن أرض فلسطين هي لليهود… ولذلك فإن اليهود الشعب المشتت في أصقاع العالم يجب أن يعود الى الأرض التي «يملكها».
وتحت هذا الشعار كان لا بدّ من التفتيش عن «أرض الميعاد»، هذا ما يسمّى بالهرطقة، إذ ليس هناك في فلسطين ما يدل على أن فلسطين هي لليهود.
فلسطين منذ التاريخ هي للفلسطينيين. عاش فيها السيّد «المسيح»، وفيها القدس وبيت لحم، باختصار وُلدت المسيحية في فلسطين. وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
من حيث المبدأ فإنّ المسيحيين لم يقولوا في يوم من الأيام إنّ فلسطين هي مسيحية، بل هم يقولون فلسطين دولة فلسطينية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود.
انطلاقاً من ذلك: ما هي قصة العلاقة الغامضة… ولماذا عمدت بريطانيا الى دعم إقامة إسرائيل؟
لقد أثبتت الدراسات العلمية والتاريخية، أن فلسطين لم تكن يوماً لليهود، ولم يكن للصهاينة أي مبرّر للمطالبة بها، لأنّ متابعة نمو الأداة الصهيونية تشير بوضوح الى أن فلسطين هي حتماً لأهلها الفلسطينيين العرب.
وكان الحدث الفصل في هذا كله، انتقال السيادة على فلسطين من أيدي العثمانيين الى أيدي بريطانيا. وقد يظن الجميع ان «وعد بلفور» هو بداية تكريس أرض فلسطين لليهود.. وهو الإعلان الذي أصدرته الحكومة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، حين سارع وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور في 2 تشرين الثاني (نوڤمبر) عام 1917، وقبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها الى كتابة رسالة الى المصرفي البريطاني، وأحد زعماء اليهود في بريطانيا، البارون روتشيلد، أدّت الى قيام دولة إسرائيل وما تبع ذلك من حروب وأزمات في الشرق الأوسط.
لكن الحقيقة التي قد يجهلها الكثيرون، أن قصة سرقة فلسطين من أهلها العرب بدأت قبل ذلك. فانطلاقاً من الدراسات والأبحاث التي تستعرض مخططات ومشاريع تقسيم المنطقة العربية الى دويلات أثنية وعرقية وطائفية ومذهبية، وترسم خرائط الفوضى والدم، تعدّل بين الحين والآخر حسب الظروف الناتجة عن تطوّر الأوضاع في هذا البلد أو ذاك… بدأت قصة «الوطن القومي الصهيوني» في فلسطين مع «وثيقة كامبل» التي تعود الى العام 1907، وتؤسّس فعلياً الى صورة المشهد الاستعماري في نظرته. ففي فترة ترؤس السير هنري كامبل بانرمان للحكومة البريطانية دعا حزب المحافظين البريطاني عام 1905 سراً الى مؤتمر يهدف الى إيجاد آلية تحافظ على تفوّق ومكاسب الدول الاستعمارية الى أطول فترة ممكنة.
المؤتمر الذي عُقد حينذاك ضم الدول الاستعمارية: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا والبرتغال. واستمرت مناقشات المؤتمر وجلساته لمدة سنتين. وفي نهاية عام 1907 خرج ممثلو الدول التي أشرنا إليها بوثيقة سرّية، سمّوها «وثيقة كامبل» نسبة الى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل، والوثيقة تتضمن خطة غربية (بريطانية) تتيح للحضارة الغربية استمرار السيطرة على العالم.
وجاء في التوصيات ما يلي:
1- إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة وجاهلة ومتأخرة، وعلى هذا الأساس يجب تقسيم دول العالم الى ثلاث مساحات أو فئات ليسهل التعامل معها.
الفئة الأولى: المساحة الغربية وتنتمي بريطانيا إليها.
الفئة الثانية: هي المساحة الصفراء نسبة للعرق الأصفر كدول أميركا الجنوبية واليابان وكوريا.
الفئة الثالثة: هي المساحة الخضراء واللون الأخضر حسب الدول الغربية هو لون الشر.
2- وكانت خلفية التوصيات النابعة من «وثيقة كامبل» صدور قرار التقسيم 181 بتاريخ 1947/11/29… وتتابعت الأحداث وجاء «وعد بلفور» كما ذكرنا.
لكن الأهم أنّ الدول الاستعمارية قرّرت إنشاء كيان غريب في منطقتنا العربية كشوكة يهددون بها الشعوب العربية، فكان هذا الجسم الغريب هو الكيان الإسرائيلي الذي عمل جاهداً له.
ومما ساعد على إنشاء هذا الكيان أن حاييم وايزمان كان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية بين عام 1920 و1946، ثم انتخب كأوّل رئيس لدولة إسرائيل عام 1949. وقد لعب وايزمان بعد هرتزل الدور الأهم في استصدار «وعد بلفور» الشهير عام 1917، وكان وايزمان متخصّصاً بالكيمياء، واخترع مادة «الآسيتون» التي تستعمل في المتفجرات وأهداها لبريطانيا، فصار مقرّباً من بريطانيا.
من هنا، نرى أن «خبراء الغرب» وجدوا في إنشاء كيان غريب (هو الكيان اليهودي الصهيوني لاحقاً) في فلسطين وسيلة لإيجاد قلعة متقدمة ترعى المصالح الغربية، وتضمن ضعف المنطقة وتمنع وحدتها، وهو ما حدث ويحدث فعلاً… لكن هذا المشروع لا يزال يسير من فشل الى فشل لأنّ فلسطين وقف، هي وقف لله تعالى.
أما لماذا وقع الاختيار على اليهود وإعطائهم فلسطين، فإنّ السبب لم يكن وجود هيكل سليمان أو مناطق دينية لهم، بل لأنّ فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وبين العرب في آسيا. والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر في هذه البوابة لتكون بمنزلة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه.
وهذا ما قاله رجل المال اليهودي البريطاني اللورد روتشيلد حرفياً في خطابه لوزير الخارجية السير بالمرستون في آذار (مارس) عام 1840، إنّ المشروع الصهيوني لن يقوم إلاّ على عمال من مصر ومياه من تركيا ومال من الخليج وعقل صهيوني، وهذا لم يتوفر ولن يتوفر.
ورغم تحرّر معظم دول العالم من الحقبة الاستعمارية القديمة، ومنها منطقتنا العربية، فإنّ فلسطين تحديداً لا تزال خاضعة لهذا الاحتلال. إذ لم يكن خروج البريطانيين من فلسطين عام 1948 سوى إيذان بتسليمها للحركة الصهيونية والتي ما لبثت أن أعلنت دولة إسرائيل فوق الأراضي الفلسطينية المغتصبة. إنّ إسرائيل اليوم مأزومة… لأنّ مشكلتهم الأساسية مع أهل هذه الأرض، ولأنّ مشكلتهم مع الأنبياء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.