حديث العيد _ إظهار الفرح بالعيد من كمال العبادة
المهندس بسام برغوت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
ثبت عن النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، أنه قال: “من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر”.
فاذا علمنا ان الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان ثلاثون يوماً، والستة من شوال بستين، يصبح المجموع لدينا ٣٦٠ يوماً ..
ولقد علّمنا علماؤنا العارفون الصالحون “أن من علامات قبول صيام المسلم والمسلمة في شهر رمضان المبارك، أن يكون حاله بعد انقضاء الشهر الكريم، أحسن حالاً مما كان عليه قبل رمضان”، فمن اصطلح أمره وخلقه ببركة وفضائل هذا الشهر، فقد حقق الغاية الربانية من الصيام وهي “التقوى” كما قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: (183)، أي لعل مستلزمات الصيام المادية والروحية، تصل بكم إلى حقيقة التقوى لله تعالى فتفوزوا في الدارين.
ميّز الله أمة الإسلام بكثير من الخصائص والفضائل بين الأمم، وجعل لها هوية دينية أخلاقية قيمية مستقلة متكاملة، لا تقبل الزيادة ولا النقصان، ولا الإفراط ولا التفريط، فالله تعالى أكمل لها الدين، وأتمّ عليها النعمة، فكانت الأمة الوسط، التي تستحق أن تكون خير أمة أخرجت للناس. ومن أهم ما ميز الله المسلمين هو إظهار المشاعر بالفرح والفخر بالعبادات والطاعات والتمسك بالتعاليم الحكيمة السمحة، ولذلك كان عيد الفطر وعيد الأضحى بعدَ ركنينٍ مِن أركان الإسلام، فعيدُ الفِطر يكون بعدَ عبادةِ الصّوم وعيد الأضحى بعد عبادة الحجّ، مما يعني تكامل الطاعة بالفرح في علاقة متلازمة لا تنفك عن بعضها أبداً، من هنا قال الله تعالى في شأن صوم رمضان: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} البقرة (185)
فلكل أمّةٍ مِن الأمَم عيداً تأنس فيه وتفرخ به، والفرح بالعيد يتضمَّن عقيدة هذه الأمة وهويتها الكاملة والمستقلة التي تفتخر وتجاهر وتتباهى بها في تقديم فلسفتها للحياة، ولذك استكمال الفرح جزء من العبادة، ينبغي على المسلم التمسك به، قال الله تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيم} سورة الحجٍ (67)، “وسمّي عيداً لأنّه يعود كلّ سنة بفرح متجدد، يؤكد فيه المسلم أن ما قام به هو الحق، وأنه متمسك بهذا الحق وأنه فرح به ويفاخر به الناس، من هنا وجب استكمال العبادة بالفرح، ولا يجوز كتمه ولا اختزاله أو طمسه أو تغييبه، فالعيد معناه الديني شكر لله على تمام العبادة، والعيد في بعده الروحي والإنساني يجسد الأخوة الإنسانية بأبهى تجلياتها بين الناس، وهذه هي الغاية الأنبل التي شاءها الله تعالى للعباد، وذلك بتكريس الأخلاق الحميدة والفاضلة التي ترسخت في رمضان لتستمر بعده مدى الحياة، مما يعني أنه استفادة من فضائل الشهر العظيم، الذي يهذب النفس والروح كما يهذب الجسم والبدن، فرمضان ليس للتعذيب بل هو للتعذيب.
فمن أحسن في رمضان فليحافظ على الإحسان، ومن واظب على الصلوات الخمس فليستمر في الحفاظ على أدائها في أوقاتها، ومن قرأ القرآن فليحافظ على قراءة القرآن، ومن تعرف على متعة العطاء والبذل والجود في رمضان، فليبق على هذا الخلق العظيم، ومن اعتاد على غض البصر وحفظ اللسان، فليغض بصره وليمسك لسانه عن الفحش والغيبة والنميمة، ومن ذاق لذة قيام الليل والتهجد فلا يترك ذلك، ومن عرف الله عن قرب فلا يبتعد، ومن تصالح مع أخيه أو أخته أو أقاربه فلا يعود إلى الخصومة معهم أبداً، لأن فصلة الرحم معلقة بعرش الرحمن تدعو وتقول: “اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني” وبادرهم بالصلح، فخير المتخاصمين من يبدأ أخاه بالسلام، إحرصوا على تكريم الزوجات الفاضلات اللواتي تعبن في رمضان بتحضير الطعام، أكرموهن وأكرموا البنات وتقربوا من عوائلكم وتحاببوا معهم، تحننوا على أيتام الناس والفقراء وامسحوا آلام المرضى والعجزة والمتروكين من القريب والبعيد، ارحموا المبتلين والمعوقين وكونوا بنائين إيجابيين في مجتمعاتكم، افعلوا كل هذا وأكثر وافرحوا بأفعالكم، فهذا والله هو جوهر الدين الحنيف، ألم يقل سيدنا ونبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؟
فبالأخلاق والتسامح تستقيم كل حياتك روحاً وجسداً.
يقول الشاعر:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوّم النفس بالأخلاق تستقمِ
ها هو رمضان يعود إلى خالقه حاملاً معه أفعال العباد، فاحرصوا أن ترفع عباداتكم في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة، ونصيحتنا ما قاله ابن الجوزي رحمه الله: “إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، وإن لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها. كُن مع الله ولا تُبالي، ومُدّ يديك إليه في ظُلُمات اللّيالي، وقُل: يا رب ما طابت الدّنيا إلاّ بذكرك، ولا الآخرة إلاّ بعفوك، ولا الجنّة إلاّ برُؤيتك. وكل عام وأنتم بخير.
المهندس بسام محيي الدين برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.