9/26/2018
20766
بقلم يحي جابر - ادمان الترف في عرقلة تأليف الحكومة

على عكس ما يتطلع اليه اللبنانيون عموماً، للخروج من الازمة - الازمات المستفحلة في الساحة اللبنانية، فقد لفت الانظار هذه الحدّة، غير المسبوقة إلا في مرات نادرة، في المواقف والحملات السياسية المتبادلة والاجراءات الانتقامية على قاعدة «كما  تراني يا جميل اراك» بين «التيار الوطني الحر» و»الحزب الاشتراكي» كما وبين «التيار الحر» و»القوات اللبنانية» الامر الذي رآه البعض مزيداً من التعقيد على خط تأليف الحكومة العتيدة.. هذا في وقت كان عديدون يثيرون شكوكاً حول ما اذا كان تعثر ولادة الحكومة، داخلي لبناني، أم دولي - اقليمي، ام الاثنين معاً..


الجميع يدورون في حلقة مفرغة من العقد والشروط ويتشددون في مطاليبهم، وكل يرمي المسؤولية على الآخر، متهما إياه بأنه «الولد المطيع» للتعليمات والاوامر الخارجية، الامر الذي ساهم في زيادة نبرة التشاؤم وفي توسيع مناخات الغموض والتعقيد؟!

لا يترك الرئيس نبيه بري مناسبة، إلا ويوجه أصابع الاتهام الى المعنيين بالتشكيل.. وهو لا يتردد في الاعلان أمام زواره «ان الامور مازالت على حالها..» كما ولا يتردد في القول «ان لا مبرر على الاطلاق للتأجيل او التأخير..» خصوصاً وأن الاوضاع الاقليمية، كما والداخلية الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، لا توفر أرضية صالحة للمضي في «حالة الترف» في تأليف الحكومة العتيدة..».

ما يكتمه الرئيس بري، أكثر خطورة مما يقوله، وفي هذا، لا يتردد في توجيه النصائح مباشرة او بالواسطة عبر موفدين من قبله، في استئناف مبادرته للمساعدة في تذليل العقبات وابعاد العراقيل وفكفكة العقد من طريق ولادة الحكومة.. وهو لايزال مستعداً لبذل المزيد من الجهد في هذا الاطار..

يعترف الرئيس بري، ويقر بأنه فشل في حل العقدة بين الثنائي المسيحي «التيار الوطني الحر» و»القوات اللبنانية» إلا أنه يقطع الأمل نهائياً بعد، وهو سيواصل مساعيه، لكن كيف ومتى ومن أين يبدأ، فإن المسألة تحتاج الى بعض الاتصالات..

لقد أظهر الرئيس المكلف سعد الحريري تجاوباً مع دعوات ونصائح الرئيس بري، وهو تجاوب لقي تأييداً ومباركة من عديدين، ومن بينهم «حزب الله» الذي تابع بدقة مواقف الرئيس المكلف سعد الحريري في الايام الاخيرة الماضية، ولاسيما منها مواقفه من أمام المحكمة الدولية في لاهاي والتي وصفت بأنها «مواقف مسؤولة وحكيمة وعاقلة ومتوازنة وبعيدة عن التحديات ومنطق الثأر..» ومن تابع مواقف الرئيس الحريري أدرك ان الرجل يضع سيرة والده انموذجاً.. وهو إذ يؤكد من أمام الصرح القضائي الدولي «ان موقفا كان وسيبقى طلب العدالة لا الثأر، وطلب القصاص، لا الانتقام في قاموسنا».. فالرد على العنف لا يكون بالعنف بل بمزيد من التمسك بانسانية الانسان، بالقانون وبالعدالة وبالايمان بالله..» مبدياً أسفه «لأن أسماء الاشخاص الذين ارتكبوا هذه الجرائم أسماء لبنانية وهي تنتمي الى أحد الاطراف السياسيين» ولم يسمه..

يتفق عديدون، بل الغالبية من الذين تابعوا مواقف الرئيس سعد الحريري، في الايام الماضية، في لاهاي كما في لبنان، على ان الرجل تجاوز منطق «الثأر» ومنطق «العين بالعين والسن بالسن..» وان كان البادئ أظلم.. فهو يريد العدالة لا الثأر ولا الانتقام.. وتكلم بعقلانية تصالحية وازنة مكرراً «بالنسبة لي كنجل رفيق الحريري، اليوم يوم صعب.. كذلك يوم صعب للبنان.. فالرئيس الحريري، وجميع شهداء 14 آذار، سقطوا من أجل حماية لبنان، وليس من أجل خرابه.. ومن هذا المنطلق لم نلجأ الى الثأر..».

وخلافاً لكل التوقعات والسيناريوات المتداولة، فإن الرئيس الحريري أقر، وخلافاً لما يتصور البعض، بأنه لا يعرف ما سيكون القرار النهائي للمحكمة، وهو لا يملك سوى الدعوة الى الانتظار وعدم استباق الامور.. وفي النهاية نحن في بلد نعيش فيه مع بعضنا ونريد ان نعيش مع بعضنا لمصلحة البلد..» ولا داعي للقول: «لا تلعبوا بالنار..» والبلد على فوهة بركان دولية - اقليمية حيث يمضي بعض الافرقاء في «شد الحبال» مستخدمين شتى أنواع الاسلحة الكلامية، على نحو ما هو حاصل بين «الحزب الاشتراكي» و»التيار الحر» على خلفية  اتخاذ وزيرين من «التيار» اجراءات بحق موظفين تابعين للحزب رداً على ما قيل، على قرار الوزير مروان حماده اعفاء هيلدا خوري، المحسوبة على «التيار» من رئاسة دائرة الامتحانات..

الناس أين، وبعض المعنيين أين؟ خصوصاً وأن البعض بات مدمنا على حالة الترف في تأليف الحكومة.. والرئيس بري، ينصح ويحذر؟!
حقوق لنشر والطبع 2018© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة