9/22/2018
20763
بقلم يحي جابر -الحريري لن يستسلم لـ«قدرية الامر الواقع»؟!

يوماً بعد يوم يزداد المشهد الداخلي تعقيداً، مقرونا بتعقيدات خارجية - دولية واقليمية متداخلة على الساحة اللبنانية وبأساليب شتى ومتنوعة..


عاد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري من إجازته العائلية، وفي ذهنه صيغة عمل لتحريك الجمود الذي سيطر على الوضع، والوصول به الى خاتمة، يكون الجميع فيها راضون ولا أحد تغلب على أحد، ولا أحد الغى أحد..

لم يستسلم الرئيس الحريري لـ»قدرية الامر الواقع» والركون الى ما يريده هذا الفريق او ذاك، فمصير لبنان، أرضا وشعبا ومؤسسات ودولة لا يكتبه الآخرون، بل يكتبه اللبنانيون الذين لا حول لهم ولا قوة.. والقاء اللوم على الآخر، خصوصاً الخارجي، وتحميله مسؤولية العرقلة ووضع العصي في الدواليب، يعني ان الجميع في الداخل براء من هذه المسؤولية الوطنية المتمثلة بحكومة اتفق الجميع، على أنها «حكومة وحدة وطنية» موسعة ولا تستثني أحداً.. وقد سلموا زمام أمورهم لأولياء الامور في الخارج، القريب والعابر لحدود الدول والقارات..

قد لا يختلف اثنان على ان القاء اللوم على الآخر، وتحميله كامل مسؤولية ما آلت اليه أوضاع البلد من انقسامات وعصبيات تستند الى الطائفية السياسية والمذهبية السياسية والمناطقية، يعني استدراج ما في هذا الخارج من انقسامات ومصالح متضاربة وأهداف متباينة وصراعات الى الداخل اللبناني، كما يعني انسداد اقنية الحوار والتواصل وهذه مسألة بالغة الخطورة، لأنها تضع لبنان، حاضراً ومستقبلا»، على اكف عفاريت الخارج ومصالحهم..

ان مبادرة الرئيس الحريري المستجدة، تعني في مكان ما، سقوط حالات التردد والعجز والخوف وحسابات الربح والخسارة، وقد أحدثت يقظة في ضمائر عديدين، غير ان الحاجة الى احداث نقلة نوعية تؤدي لخروج البلد من أزماته المتعددة، لا تلقى على شخص وفريق دون سائر الآخرين.. ولقد آن الاوان ليتحمل كل هؤلاء المسؤولية كاملة في تشخيص الامراض التي يعاني منها الواقع اللبناني والافعال التي فاقت التصور وعلى كل المستويات، والعمل بكل شجاعة ومسؤولية من أجل اجتراح، صيغ كفيلة باخراج لبنان واللبنانيين من دوامة «الصراعات القاتلة».. ذلك ان الرضوخ والاستسلام للامر الواقع يعني بصريح العبارة المساهمة العملية في تأييد بقاء الوضع على حاله، بل دفعه الى المزيد من التأزم، والجميع يدرك خطورة الوصول الى مثل هذه المرحلة التي عانى لبنان منها الأمرين..

لقد آن الاوان ان يتوقف كل هؤلاء الافرقاء حيث نحن، وبهدوء مطلوب يسألون أنفسهم، من نحن؟ وأين نحن؟ والى أين نحن سائرون؟!

لعله لا بد من المسارعة في القول، ان التجارب السابقة علمتنا، أنه من المستحيل إحداث حالة من «الاجماع» حول أي صيغة او أي برنامج عمل.. غير أنه من المستحيل أيضاً تحقيق أي انجازات وطنية، اذا لم يتوافر شكل من اشكال التوافق الجاد والحقيقي والاجماع حول المشاريع التي يحتاجها البلد، وهي في غالبيتها مشاريع حيوية وأساسية وبالغة الأهمية والضرورة.. ولا بد من المسارعة في القول أيضاً، ان عدم مناقشة الاسباب والعوامل التي أدت الى ما آلت اليه أوضاع البلد، يعني بصريح العبارة اننا لم نرتق الى مرتبة الاهلية في تولي المسؤوليات وانجاز المطلوب.. ولعل اخطر ما يواجهه البلد، هو اقتصار  الانشطة على البيانات والبيانات المضادة التي تختصر واقع الحال، من مناكفات ومشاكسات وتعميق الخصومات والتباعد.

لقد تحولت الساحة اللبنانية الى ساحة «ردات فعل» بمنسوب بالغ الدقة والخطورة، على تصريحات سياسية ومواقف يقوم بها البعض، ما يعزز مناخات عدم التواصل والتنسيق والقيام بما يملي عليه الواجب الوطني.. وقد بات واضحاً من خلال التجارب السابقة ان عملية استنهاض المتاريس الطائفية والمذهبية السياسية الجميع فيها خاسر وليس من رابح فيها سوى «العدو الصهيوني وحلفاؤه وما يقف الى جانبه، الامر الذي يستدعي قراءة هادئة وموضوعية وعقلانية، بعيداً عن «الشعبوية» و»التعبوية».

ان محاولات توظيف البعض علاقاته الخارجية بالداخل اللبناني، لم تكن هي النموذج المطلوب، ولن تشكل باب الخروج من الأزمة.. ولبنان أمام تجارب تراكمية، معقدة تفترض وتستوجب اعادة النظر وإعادة القراءة، وتوظيف الخبرات في المجالات الحيوية لصياغة الاولويات المطلوبة بعيداً عن مناخات التوتير والتشنج والانفعال، وبعيداً عن سياسة «كب الزيت على النار..» التي يتقنها عديدون..

لقد آن الاوان، الى ان يخرج المعتكفون وراء خصوصياتهم ومصالحهم الشخصية والفئوية بقناعة «ان لا أحد يستطيع الغاء أحد..» والكف عن سياسة «أنا او لا أحد..» ولا بد من التعاطي مع ما يجري بالكثير من الجدية والتعقل، وبقليل من الخفة والميوعة والكف عن سياسة التذمر كنهج بديل عن الضلوع في صياغة مشروع انقاذي يحدد الاولويات والامكانات والطاقات، وهناك تجارب سابقة شكلت خميرة صالحة للقيام بأعباء هذه المراجعة النقدية للنهوض بالمسؤوليات الملقاة على عاتق الافرقاء كافة..
حقوق لنشر والطبع 2018© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة