7/23/2018
20716
حماك الله يا سيد الصرح

كتب يحيى جابر:


 

قد لا يكون من المبالغة القول بأن ليس هناك اصدق من البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي مع نفسه ومع البيئة التي يحتضنها، كما ومع سائر اللبنانيين... فقد اثبت انه على مسافة واحدة من الجميع ولا فضل لاحد على آخر...

لقد كانت زيارته القصر الجمهوري  اول من امس ولقاؤه الرئيس العماد ميشال عون، محاولة منه لتجنيب الساحة المسيحية خصوصا واللبنانية عموما مفاعيل الصراع الناشب بين «الثنائي «التيار الوطني الحر» و «القوات اللبنانية» ولبنان على ابواب تشكيل اول حكومة بعد الانتخابات  النيابية، وهو صراع مفتوح على كل الاحتمالات، ما يهدد الوحدة الداخلية التي تبقى الركيزة والاساس»..

يمتاز لبنان بتنوعه الثقافي والروحي (الطائفي والمذهبي) كما والسياسي، ولم يكن المسيحيون بعيدين عن هذا التنوع الذي يشكل علاقة ايجابية بالغة الاهمية، وهو دليل عافية ورقي وتقدم على رغم الصعوبات  التي يعاني منها البلد...خصوصا وان لبنان، على ما يتفق عليه الجميع، يمتاز عن سائر الجوار بهذا التنوع الثقافي والديني والحزبي والفكري... من دون ان يعني ذلك تعريض هذا التنوع لانقسامات عامودية تهدد الوحدة الوطنية بمخاطر حقيقية.

ليس بالضرورة ان يكون الجميع على رأي واحد، وموقف واحد، وقرار واحد من المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتنوعة... فالتنوع عامل صحة وعافية ومصدر قوة، لكن الاختلاف عامل فرقة وتباعد وازمات.

التمايزات الحاصلة على الساحة المسيحية، خصوصا بين «التيار الوطني الحر» و «القوات» ليست جديدة... ومن اسف ان هذه التمايزات تحولت الى «اشكالية» حقيقية، حيث بات في نظر كثيرين ان ما يجري ليس صدفة، وهو نابع من ان كل فريق يريد ان يستحوذ على القرار ويمسك به، بحيث صار «الاختلاف» او التباين خلافا مفتوحا على كل الاحتمالات.

يسعى البطريرك الراعي جاهدا الى الامساك بعصم المختلفين، واكثر من مرة جمع الاقطاب المتباينين والمختلفين... لافتا الى ان الاختلاف في الرأي شيء والخلاف شيء آخر... وهو أكثر من مرة شدد امام الذين التقاهم، كما وامام والرأي العام ان «بامكاننا ان نكون مختلفين ... لكن تحت سقف الوحدة والتماسك والامن والاستقرار ... فالتنوع في الافكار والرؤى امر طبيعي، لكن ما ليس طبيعيا هو تحويل التنوع الى خلاف والخلاف الى صراعات والصراعات الى ما يهدد الوحدة والمصلحة الوطنية، وتعريض البلد الى ساحة اشتباكات يعرف كيف تبدأ لكن لا يعرف كيف تنتهي.

حمل سيد بكركي هذه المسألة الى قصر بعبدا، وقد كان بالغ الصراحة مع الرئيس العماد عون،  الذي بات يشكل مرجعية و «ابا لكل اللبنانيين»، وهو الذي يمسك بيده قرار احد ابرز فريقين يدعيان النطق بإسم «المسيحية السياسية»، او بالتحديد «المارونية السياسية»... وهو لم يتردد في دعوة الرئيس عون الى التدخل ووضع ثقله في ضبط الصراع بين «التيار» و «القوات» تحت سقف الاختلاف  لا الخلاف... والحؤول  دون «الثنائيات»  او «الاحادية» التي تلغي اي اخر، الامر الذي يخرج لبنان من التصنيف الذي «يشوف حاله فيه» وهو «التنوع ضمن الوحدة».

ما لا يقبل به البطريرك في الساحة المسيحية، هو الغاء كل اخر والتفرد بالقرار والامساك برقاب الناس، لا يقبل به على مستوى الساحة اللبنانية، لا «ثنائية» ولا «ثلاثية» ولا «رباعية» فحق الناس في ان تختار وتقرر وتصطف هو قرار مقدس ومن دونه لا مبرر لوجود هذا الكيان... ومن واجب الجميع ان يقرروا ان لا احد يمكن ان يلغي احدا، او يهمشه... كما ومن واجبهم ان يسلموا بأن خيارات الناس يجب ان تحترم فليس بالضرورة ان من نال الغالبية العددية ان يكون وحده الممسك بالقرار ويقرر مصير البلاد والعباد...

حماك الله يا سيد الصرح وانت القائل: «لا اقصاء لاحد، ولا تفرد مع احد، ولا احد فوق احد... لا ثنائيات بل تنوع كامل، وما يعنينا الوحدة الداخلية وكلنا من اجل لبنان»...
حقوق لنشر والطبع 2018© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة