12/16/2017
20545
بقلم يحي جابر - المنتصر لبنان... والعبرة في التنفيذ

قد يكون لدى البعض - وهم قلة قليلة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة - ما يكفي من أسباب ودوافع ومصالح شخصية وفئوية، للنظر بسلبية وتشكيك الى ما آلت اليه الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء (أول من أمس) في القصر الجمهوري في بعبدا، برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحضور الرئيس سعد الحريري وسائر الوزراء، وخلصت الى عودة الرئيس الحريري عن استقالته وتأكيد «التزام الحكومة، بكل مكوناتها السياسية، النأي بالنفس عن أي نزاعات او صراعات او حروب، او عن الشؤون الداخلية للدول العربية.. حفاظاً على علاقات لبنان السياسية والاقتصادية مع أشقائه العرب..».


ما آلت اليه جلسة الحكومة لم يأتِ من فراغ، بل كان حصيلة مشاورات وجهود واتصالات لم تستثنِ أحداً من القوى السياسية الممثلة في الحكومة، خلصت الى ما خلصت اليه، بدعم دولي واقليمي وعربي..

يفتش المتحفظون والمشككون بـ»السراج والفتيلة» عن كلمة او لفظة قابلة للاجتهاد، ليبنوا عليها مواقفهم، متمنين ان لا يكون بيان التزام النأي بالنفس مجرد تعبير لفظي او إرضاءً لفظياً، بلا مضمون..» والعبرة عند الجميع، مؤيدين ومتحفظين هي في «الممارسة»؟!

ما يجب التأكيد عليه، هو ان البيان الذي صدر عن اجتماع مجلس الوزراء، لم يكن غطاءً لعودة الرئيس الحريري عن استقالته، بل تأكيداً من الجميع على ان الجلسة، وما خلصت اليه، باجماع الحاضرين، دون استثناء، أعادت تصويب البوصلة في الاتجاه الصحيح، الذي يحمي، أمن واستقرار لبنان ومصالحه، وينأى به عن تطورات المنطقة التي تزداد لهيباً في بعض المواقع، وذلك على الرغم من قناعة الجميع، بأن لبنان ليس جزيرة منعزلة عن سائر الجوار، و»ما فيه يكفيه»، وان سياسة «النأي بالنفس» على أهميتها تبقى ناقصة اذا لم يتحد الجميع في مواجهة التحديات.. وقد كان الرئيس الحريري واضحاً وضوح الشمس، صريحاً الى أبعد حدود الصراحة بتأكيده «ان اللبنانيين جميعاً في نفس السفينة، فإذا غرقت نفرق كلنا، واذا توحدنا تمر العواصف الكبيرة التي تضرب المنطقة، ونكون قد نجونا..».

ليس من شك في ان جولات المشاورات التي أجراها الرئيس عون، بالتكاتف والتضامن، والتنسيق الكامل، مع الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، و»حزب الله»، كما ومع بعض الخارج الدولي، فتحت الباب على مصراعيه أمام تصورات وصيغ للخروج من الازمة.. كما وليس من شك أيضاً في ان صيغة «التسوية» (التوافق) التي خرج بها مجلس الوزراء خضعت لصياغات دقيقة استهلكت ما يكفي من الوقت، لقطع الطريق أمام أية اجتهادات او تأويلات، تجنباً للوقوع في اشكالات، كان وقع فيها لبنان في أوقات سابقة.. هذا مع الاشارة الى ان «الدور الدولي (تحديدا الفرنسي) والاقليمي والعربي «التسوية»، إلا ان ذلك، ما كان ليحصل لو لم يكن الافرقاء اللبنانيون على قناعة بوجوب «النأي بالنفس» وان زج لبنان في محاور خارجية، يزيد من تعقيدات الازمة ويترك تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية ومالية، بل وأمنية لن يكون لبنان بقادر على تحملها.. وقد قالها الرئيس الحريري بوضوح لافت، لا لبس فيه «ان المنطقة تغلي، ولا يجب ان يكون لدينا وهم بأن أي دعسة ناقصة يمكن ان تجر البلد الى مهوار خطير..» وما قمنا به، حتى اليوم، كان قمة انا رفضنا الانجرار خلف شعارات ودعوات لا وظيفة لها إلا استدراج الفوضى للبنان..».

لقد اشتغل طباخو مخارج «التسوية» - التوافق، بكثير من الصبر على انتاج الصيغة النهائية التي صدرت مجلس الوزراء، استناداً الى «خطاب القسم» و»البيان الوزاري.. ويكفي، ان يعود الرئيس الحريري عن استقالته، لـ»فتح صفحة جديدة للبنان تحمي استقراره، وتصون وحدته الداخلية، وتنأى به عن حرائق المنطقة وتحميه من الحرائق الأمنية والمذهبية..».

صحيح ان العبرة في التنفيذ.. ولبنان، بل الافرقاء كافة، أمام امتحان جدارة وصدق ووفاء والتزام بما جرى التوافق عليه، لاسيما وان لبنان، لايزال في صلب التحديات والتهديدات الاسرائيلية، التي عززت مع عودة مسألة تهويد القدس الى الواجهة من جديد، وأثارت ما أثارته من ردود فعل عربية وإسلامية وغير ذلك، وهو تطور يحظى بدعم أميركي  و»تكون له انعكاسات، وفي حال حصوله، سيكون للحكومة اللبنانية موقف واضح في اطار الموقف العربي الجامع الذي يؤكد على حق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة عاصمتها القدس..» على ما قال الرئيس الحريري في مداخلته في جلسة مجلس الوزراء، أول من أمس.

الأيام، والأسابيع، بل الشهور المقبلة ستكون خير شاهد، على ان ما حصل لم يكن «فوشة كبد» على ما يقال، بل نتاج قناعات.. وان «التسوية» لم تكن انتصاراً لفريق على آخر.. بل انتصاراً للبنان ولكل اللبنانيين، المتمسكين بالاستقرار الداخلي، وعودة الحكومة الى ممارسة دورها وواجباتها، هي خطوة ايجابية بامتياز، تتعزز أكثر مع تأكيد «حزب الله» جديته في الالتزام ببنود البيان - التسوية والنأي بالنفس عن صراعات المنطقة، وقد مهد لذلك الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله، بنفيه وجود الحزب في اليمن او الكويت، وهو مهيأ للعودة من العراق ممهداً الطريق أمام الانسحاب من سوريا، وذلك على الرغم من اقرار الجميع بأن لكل فريق مواقفه وسياساته التي باتت مضبوطة في صيغة «تنظيم الاختلاف» و»ربط النزاعات..».
حقوق لنشر والطبع 2017© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة