6/24/2017
20404
حديث رمضان - الحلقة العشرون - الأمانـة

إعداد: د.سعاد الحكيم


 

إن حُسن الخُلُق ليس من التحسينات في الدين، بل هو جزء بنيوي في الدين، بحيث لا يتم إسلام المرء، ولا يعكس صورة المسلم في أعين أهله ومجتمعه إن كان سيء المعشر، غشاشاً مخادعاً ظالماً قاطعاً للرحم جباناً في المواقف.. فالإسلام الحنيف لا يتم فقط بتأدية العبادات بالالتزام بمسلك السنة النبوية القويم، بل لا بد من تلازم ذلك مع الالتزام بمكارم الأخلاق التي بيّنها صاحب الخلق العظيم صلوات الله عليه؛ بسلوكه وبتعاليمه.. ومن هنا، فإنه يتعين على المسلم أن يسعى لتحسين خلقه مع الآنات كما يسعى لتأدية عباداته تماماً.. فالجنة مفتاح أبوابها: التقوى وحسن الخلق.

لقد غَلَبَ على أفهام معظم الناس أن خلق الأمانة يظهر في ردّ الأمين للوديعة التي استودعه إيّاها مطلق شخصٍ حتى لو طرأ بينهما عداوة.. وعلى الرغم من أهمية هذا المعنى وأساسيته في الأمانة، إلا أن هذا الخلق أوسع من مجرد الاعتراف بوديعة وإرجاعها، إنه يمثّل: العدل والعدالة بكافة مظاهرهما وحيثياتهما. فالأمين هو الشخص العادل الذي يؤدي للآخرين حقوقهم (الأهل، الصحب، أصحاب العمل...) ولا يضيع عنده حق مادي ولا معنوي، وهو الذي يقسم بين الناس بالعدل [بين الأم والزوجة، بين الأولاد...]، كما يحكم بينهم بالعدل. هو الذي يؤدي للآخر حقه ويعدل معه حتى لو كان ذلك ضد مصلحة نفسه أو ضد مصلحة أهل خاصته.

وسوف نحاول عبر فقرات أربع تتبع وقائع السيرة النبوية الطاهرة وأقوال دواوين الحديث الشريف لاستكناه الأمانة المحمدية العظيمة:

الفقرة الأولى.. الأمانة خُلُق تحتاجه

قطاعات الحياة كلها

من الظلم لخُلُق الأمانة أن نستمر بحبسه في مجال رد الوديعة، لأنه قلما يودع إنسانٌ عند إنسانٍ اليوم وديعةً نظراً لتطوّر نظام المصارف والصناديق، ولا نريد أن نقول نظراً لارتفاع الثقة من بين الناس.

وحتى نكون أمناء في شرحنا لمعنى الأمانة نقول: إن الأمانة خُلُق إسلامي عظيم يحتاجه إنسان هذا الزمان في مجالات حياته كلها: في مجال عباداته، وفي مجال معاشرته والديه وأهله وصحبه وجيرانه، وفي مجال مهنته وتطورها، حتى يحتاجه بينه وبين نفسه..

ففي مجال عباداته، يحتاج الإنسان أمانته ليؤدي حق ربّه عز وجل، ويؤدي جميع الحقوق التي فرضها الإسلام تجاه الآخرين؛ من مثال: حقّ الولد بالإنشاء والتربية والتعليم، وحق الأهل بحسن المعاشرة، وحق الوالدين بالإحسان إليهما وبالحرص على حياته حتى لا يحزنهما بموته، حتى لو كان هذا الموت شهادة في سبيل الله دون استئذانهما على ما ورد في الشريعة السمحاء، وحق الضيف بالإكرام، وحق الجار بحسن الجوار، وغير ذلك.

أما في مجال مهنته، فيحتاج الإنسان إلى الأمانة وذلك لسببين: الأول أن الأمانة في المهنة شريعة مؤكدة. والدليل على فريضة الأمانة في المهن أن القرآن الكريم نبّه إلى وجوب العدل في الكيل والميزان دون زيادة أو نقصان وتوعّد المطففين بالويل. كما أن رسول الله عليه صلوات الله نبّه إلى وجوب الأمانة في التجارة فقال: (إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدّثوا لم يكذبوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا...) الحديث. كما قال صلوات الله عليه: ((المؤذن مؤتمن))، وذلك لثقة الناس به في ضبط مواقيت صلاتهم وعباداتهم.. وقياساً نتوسع لنقول بضرورة الأمانة لكل صاحب مهنة، فالطبيب مأمور بالأمانة مع مرضاه، ومدير المصرف أيضاً مؤتمن في أموال الناس، والمعلّم مؤتمن على العقول والأجيال، وهكذا. أما السبب الثاني الذي يجعل الأمانة ضرورية للمهنة فنجده في قول رسول الله عليه صلوات الله: ((الأمانة غنى))، وهذا يعني أن الأمانة هي سببٌ للغنى، لأن المرضى إن استأمنوا طبيباً على حياتهم فإنهم يقصدونه باستمرار، وكذا من يستأمن مصرفياً على ماله يرجع إليه في كل أموره المالية، وأيضاً من يستأمن تاجراً أو خياطاً أو نجاراً.. فإنه يديم التعامل معه، وهكذا.

أما في مجال معاشرته مع أهله وصحبه وجيرانه.. فتظهر أمانة الشخص في عدة مواقف؛ مثلاً: في الاستشارة لقوله صلوات الله عليه:(المستشار مؤتمن)، فالشخص الأمين لا يشير بما لا يعرف ولا يكتم صواباً ويشير بغيره، تحقيقاً لقول رسول الله عليه صلوات الله:(من أشار على أخيه بأمرٍ يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه).. وتظهر الأمانة أيضاً في مجال صيانة الأسرار، فالأمين لا يفشي سراً سمعه من صديق أو في مجلس، يقول رسول الله عليه صلوات الله: (المجالس بالأمانة، إلا ثلاثة مجالس: مجلسٌ يُسفك فيه دمٌ حرام، ومجلسٌ يُستحلّ فيه فرجٌ حرام، ومجلسٌ يُستحل فيه مال حق).. ومن روائع التعاليم النبوية ترسيخ الأمانة بين الزوج والزوجة، يقول صلوات الله عليه: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها).

الفقرة الثانية.. الأمانة من الإيمان

حيث إن الأمانة قيمة إسلامية عليا فقد نبّه رسول الله عليه صلوات الله إلى علاقتها بالإيمان.. يقول صلوات الله عليه: (لا إيمانَ لمن لا أمانة له، ولا دينَ لمن لا عهْدَ له).. ويقول أيضاً صلوات الله عليه: (من غشنا ليس منا). ويقول صلوات الله عليه: (يُطبع المؤمن على الخلال كلّها إلا الخيانة والكذب). ويقول صلوات الله عليه: ((اكفلوا لي بستٍ أكفل لكم الجنة: الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان).

كما أمر صلوات الله عليه المؤمن بعدم تبديل خلقه وتضييع أمانته حتى لو تعامل مع إنسان خائن. يقول صلوات الله عليه: (أدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائتمنكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانك). نعم، للإنسان الحق بعدم التعامل مع الخائن، وحري به ذلك، ولكن ليحرص ألا يردّ على خيانته بخيانة مثلها، وينساق إلى تغييرٍ في قيمه، لأنه بذلك يساعد على انتصار الخيانة على الأمانة، وعلى تفشيها في الناس، بدلاً من محاصرتها وتحجيمها عبر الإحسان والردّ الحسن.

الفقرة الثالثة.. أمانة الخلق المحمدي العظيم

إن خُلُق الأمانة أصيلٌ فطريٌّ ينبوعيٌّ في الخُلُق المحمدي العظيم، وقد عرفه واعترف به كل من عامله أو عاشره أو جاوره أو سافر معه، وذلك منذ نشأته صلوات الله عليه، حتى أصبح لقب «الأمين» كالاسم العلم له صلوات الله عليه، يقولون: جاء الأمين، وذهب الأمين. ويقول الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الفترة: (كان يُتحاكم إلى رسول الله عليه صلوات الله في الجاهلية قبل الإسلام).

ونقدم ستة أدلة على كمال أمانته صلوات الله عليه وبكور ظهورها، دليلان منها على صيغة وقائع حفظتها كتب السيرة وأربعة منها على صيغة شهادات:

أما الواقعتان فهما:

الواقعة الأولى.. قبل البعثة المحمدية. تنازعت القبائل عند بنائهم الكعبة المشرفة فيمن يستحق شرف رَفْع الحجر الأسود ووضعه في محلّه، حتى كادوا يقتتلون، لولا اتفاقهم على تحكيم أول داخلٍ يدخل المسجد الحرام. فكان ذلك الداخل هو رسول الله عليه صلوات الله، فلما رأوه قالوا: هذا الأمينُ، رضينا هذا محمد. كان هناك إجماع على الثقة بأنه صلوات الله عليه سيحكم بينهم بعدالة، دون ميلٍ إلى قبيلة دون قبيلة.

الواقعة الثانية.. إن ثقة الناس بالصادق الأمين صلوات الله عليه جعلتهم يضعون لديه مدخراتهم وثمين ممتلكاتهم، فكان مطلق إنسان في مكة المكرمة يخشى على شيءٍ يضعه عنده لما يعلم من أمانته صلوات الله عليه. والغريب، أن الناس ظلّوا يستودعونه ثمين أشيائهم حتى بعدما عادوه وكذّبوا برسالته.

ونستدل على ذلك من أنه صلوات الله عليه ترك الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في مكة المكرمة بعد هجرته صلوات الله عليه إلى المدينة المنورة، ليرد ودائع الناس التي كانت عنده. فأقام كرم الله وجهه في مكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى ودائع الناس ثم لحق برسول الله عليه صلوات الله.

والشهادات الأربع هي:

الشهادة الأولى.. شهدت السيدة خديجة رضي الله عنها للنبي الأمي صلوات الله عليه بالأمانة وأقسمت على ذلك قالت: »فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم...« الحديث.

الشهادة الثانية.. شهد بها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي، قال ذاكراً صفة رسول الله عليه صلوات الله: » حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه«.

الشهادة الثالثة.. صدرت من شخص يكنّ العداء للنبي صلوات الله عليه، وهو أبو سفيان لمّا كان قبل إسلامه أمام هرقل ملك الروم وسأله: فما كان يأْمُرُكم؟ فأجابه: »يأمُرُنا بالصّلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والوفاءِ بالعهدِ وأداءِ الأمانة «.

الشهادة الرابعة.. وهي شهادته لنفسه صلوات الله عليه وهو الصادق الأمين يقول: (والله، إني لأمينٌ في السماء، أمين في الأرض).

الفقرة الرابعة.. التحذير النبوي

من تضييع الأمانة

إن الخطاب النبوي شديدٌ إلى مَنْ تضيع عنده الأمانات، أو حتى ينتوي إضاعتها. يقول صلوات الله عليه: (مَن أَخذَ أَموَالَ النَّاسِ يُريدُ أَداءَها أَدَّى اللهُ عَنهُ، ومَن أَخذَها يُريدُ إِتلَافَها أَتلَفَهُ اللهُ).

ولم يقف التحذير النبوي عند حدود الشخص الفرد، بل نبّه صلوات الله عليه الأمة بكاملها من الخروج على خلق الأمانة في معاشراتها ومعاملاتها، وأعلمها أن تفشّي الخيانة في جموعها هو علامة من علامات اقتراب حلول البلاء العام، يقول صلوات الله عليه محذراً المسلم من كتم أمانةٍ واعتبارها مغنماً من غير تعب: (إذا فعَلَتْ أُمَّتي خمسَ عشرَةَ خَصْلَة حَلَّ بها البلاءُ ) قيلَ: وما هيَ يا رسُولَ الله؟ قال صلوات الله عليه: (إذا كانَ المَغْنَمُ دُوَلاً، والأمانةُ مَغْنَماً، والزّكاةُ مَغرَماً، وأطاعَ الرَّجلُ زَوجتَهُ وعقَّ أُمَّه، وبرَّ صَديقَهُ وجَفَا أباهُ، وارتَفَعتِ الأصواتُ في المَساجِد، وكانَ زَعيمُ القومِ أرذَلَهم، وأُكرمَ الرَّجلُ مخافةَ شرِّه، وشُرِبَ الخَمرُ، ولُبِسَ الحريرُ، واتُّخِذَتِ القِيانُ والمَعازِفُ، ولَعَنَ آخِرُ هذِه الأمَّةِ أوَّلَها، فلْيَرْتَقِبُوا عندَ ذلكَ ريحاً حَمراءَ، وخَسْفاً أو مَسْخاً).

وعند التدبر في نصوص الحديث النبوي الشريف نرى أن مسار التاريخ الأخلاقي يبدأ في أعلى قمته زمن النبوة ثم في القرون الهجرية الأولى، وبعدها يتنازل منسوب القيم، ومع تضييع القيم نكون على أبواب الساعة، يقول رسول الله عليه صلوات الله: (إِذَا ضُيِّعَت الْأَمَانَةُ فَانْتَظِر السَّاعَةَ). قال: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: (إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِر السَّاعَةَ).

وأخيراً، ينذر البشير النذير صلوات الله عليه كل مسلم من أن يخون أمانةً ثم يأتيه يوم القيامة ليشفع له، ويبلّغه ببيانٍ واضحٍ أنه لا يقبل عقد شفاعةٍ مع خائن.. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ فِينَا النَّبيُّ فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أَمرَهُ ، قال صلوات الله عليه: (لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُم يَومَ القِيَامَةِ على رَقَبَتِه شَاةٌ لَها ثُغَاءٌ، على رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ الله أَغِثني، فأَقولُ: لا أَملِكُ لَكَ شَيئاً، قَد أَبْلَغتُكَ. وعلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يقُولُ: يا رَسُولَ الله أَغِثني، فأَقُولُ: لا أَملِكُ لَكَ شَيئاً، قَد أَبلَغتُكَ. وعلى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فيَقُولُ: يا رَسُولَ الله أَغِثني، فأَقُولُ: لا أَملِكُ لَكَ شَيئاً، قَد أَبلَغتُكَ. أَو على رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخفِقُ، فَيقُولُ: يا رَسُولَ الله أَغِثني، فأَقُولُ: لا أَملِكُ لَكَ شَيئاً، قَد أَبلَغتُكَ).

ونقول أخيراً..

اللَّهُمَّ إِنّا نعوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.. اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، واكفنا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْننا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
حقوق لنشر والطبع 2017© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة